
لا تُبالغ في العطاء
بقلم / أسماء أحمد محمد علي
كنتُ أُطالع غيمةً في السماء، كانت تبدو حزينة، فسألتُها:
«لماذا كلُّ هذا الحزن؟»
فقالت:
«لقد رأيتُ طائرًا يُنشد أغنيةً حزينة عن واقعه المرير، فبدأت دموعي تسيل من أجله.»
فقلتُ لها:
«ولِمَ أنتِ حزينةٌ لأجل هذا الطائر؟ فكلُّ الطيور تُنشد أغانٍ حزينة، ولكلٍّ مآسٍ وأحزان.»
فردّت الغيمة قائلةً:
«إنه طائرٌ صغيرٌ ووحيد، تركه والداه ورحلا عنه، فأصبح شريدًا، لا مأوى له ولا مسكن. نظر إليّ بحزن، والدموع في عينيه، يستنجد بي لأُنقذه، لكنني عاجزة… لا أستطيع أن أمدّ يدي لأساعده.
ففرشتُ له ظِلّي ليحميه من حرارة الشمس، وجمعتُ له دفئي ليؤنسه من برودة الليل.
هذا الطائر ضعيفٌ ونحيل… أردتُه أن يحيا، وأن يُرفرف حولي.»
نظرتُ إليه بحب، ثم تركتُ الغيمة وراقبتُ من بعيد ما يحدث.
كانت ترعاه وتحميه، فإذا جاء من يهدده، جمعتْ ظلامها فوقه لتغطيه، حتى لا يراه أحد.
وإن جاع، جمعت غيومها لتروي الأرض بالماء، فتنبت له الحياة، وهي تنظر إليه بعين الأم.
وظلّت على هذا الحال إلى أن كبر، لكنه ظنّ أن كلَّ ما يُقدَّم له أمرٌ عادي، ولم يلاحظ ما فعلته الغيمة من أجله، ولم يشعر بها.
وعندما اشتدّ عوده… تركها ورحل، دون أن ينظر خلفه.
هكذا هو الاعتياد على العطاء…
أن تُعطي دون حساب، فيظنّ الآخرون أن ما تقدّمه لهم حقٌّ لا فضل فيه، وأنه واجبٌ عليك، فلا يرون كم عانيتَ من أجلهم، ولا يشعرون بما قدّمتَ.
وهكذا هو الإفراط في العطاء:
أن تمنح حتى تُنسى، وتُعطي حتى يُحسب عطاؤك حقًّا لا فضلًا.
لذلك، لا تُبالغ في العطاء…
فحين تُعطي بلا حدود، ستُخذل بلا رحمة.





